علي بن يوسف القفطي
144
إنباه الرواة على أنباه النحاة
قال الحسين بن فهم ( 1 ) : قدم علينا محمد بن سلَّام سنة اثنتين وعشرين ومائتين ، فاعتلّ علة شديدة فما تخلَّف عنه أحد ، وأهدى إليه الأجلَّاء أطباءهم . وكان ابن ماسويه ممن أهدى إليه ؛ فلما جسّه ونظر إليه قال له : ما أرى العلة كما أرى من الجزع ، فقال له : واللَّه ماذا بحرص على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة ؛ ولكن الإنسان في غفلة حتى يوقظ بعلَّة ، ولو وقفت بعرفات وقفة ، وزرت قبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زورة ؛ وقضيت أشياء في نفسي لرأيت ما اشتدّ عليّ من هذا قد سهل . فقال له ابن ماسويه : لا تجزع فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغزيرة وقوتها ما إن سلَّمك اللَّه من العوارض بلَّغك عشر سنين أخرى . قال الحسين بن فهم : فوافق كلامه قدرا . فعاش محمد عشر سنين بعد ذلك ومات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . قال الفضل بن الحباب أبو خليفة القاضي : ابيضّت لحية محمد بن سلَّام ورأسه وله سبع وعشرون سنة . قال : وسمعته يقول : أفنيت ثلاثة أهلين ؛ تزوّجت وأطفلت فماتوا ، ثم فعلت مثل ذلك فماتوا ، ثم فعلت الثالثة فماتوا ؛ وهأنا في الرابعة ولى أولاد . وكان أبو خليفة إذا حدّث بهذا الحديث أنشد بعقبه شعرا للنابغة الجعديّ ( 2 ) :
--> ( 1 ) هو الحسين بن فهم ، صاحب محمد بن سعد . ذكره ابن حجر في لسان الميزان ( 2 : 308 ) وقال : « سمع محمد بن سلام الجمحي ويحيى بن معين وخلف بن هشام وطائفة . وقال ابن كامل : كان يحسن المجلس مفتنا في العلوم حافظا للحديث والأخبار والأنساب والشعر عارفا بالرجال متوسطا في الفقه . توفى سنة 289 » . وانظر تاريخ بغداد ( 8 : 93 ) . ( 2 ) من قصيدة ذكرها ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص 254 - 255 ، وقبله : لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا